أحمد بن محمود السيواسي
34
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 97 ] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ( 97 ) ( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ ) أي من يرشده إلى دينه ( فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) باثبات الياء وحذفها وصلا « 1 » ، أي على طريق الحق بالاستقامة ( وَمَنْ يُضْلِلْ ) أي يخذله عن دينه ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ ) أي أحباء أو أنصارا ( مِنْ دُونِهِ ) يرشدونهم من الضلالة إلى طريق الحق ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) محله نصب على الحال ، أي يسحبون عليها في النار ، قالوا : يا رسول اللّه كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال النبي عليه السّلام : « إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه » « 2 » ، قوله ( عُمْياً ) حال أخرى لا يرون فيه ما يفرحهم ( وَبُكْماً ) أي لا ينطقون بحجة واعتذار ( وَصُمًّا ) أي لا يسمعون ما يلتذون به ، وذلك حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار ( مَأْواهُمْ ) أي مستقرهم ومنزلهم ( جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ) أي سكن لهبها أو طفئت نارها في رأي العين ( زِدْناهُمْ سَعِيراً ) [ 97 ] أي وقودا أو تلهبا واشتعالا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 98 إلى 99 ] ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 98 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ( 99 ) ( ذلِكَ ) أي العذاب الموصوف يوم القيامة ( جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا ) أي القرآن ومحمد عليه السّلام ( وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً ) أي ترابا ( أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) [ 98 ] بعد الموت والفناء ، فأجابهم باللّه تعالى بقوله ( أَ وَلَمْ يَرَوْا ) أي أنكروا الإعادة ولم يخبروا في القرآن ( أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) في عظمها وشدتها ( قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) في صغرهم وضعفهم كقوله « لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ » « 3 » ، وعطف على « أَ وَلَمْ يَرَوْا » قوله ( وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا ) لأن تقدير المعنى فيه : قد علموا بالعقل أن القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق أمثالهم من الإنس ، وجعل ، أي عين وقتا لعذابهم ، وقيل : هو الموت أو يوم القيامة « 4 » ( لا رَيْبَ فِيهِ ) عند المؤمنين أنه يأتيهم ( فَأَبَى الظَّالِمُونَ ) أي لم يرضوا مع وضوح الدليل عن الإيمان ( إِلَّا كُفُوراً ) [ 99 ] أي عنادا أو جحودا له لقبولهم الكفر مكانه وذلك كله لحبهم الدنيا واطمئنان قلوبهم بها . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 100 ] قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 ) ( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ ) « لو » حرف شرط ، حقه أن يدخل على الفعل لكنه حذف هنا وأضمر على شريطة التفسير ، وتقديره : لو تملكون أنتم تملكون ، فحذف « تملك » وأبدل من الضمير المتصل الفاعل ضمير منفصل وهو « أَنْتُمْ » لسقوط ما يتصل به من اللفظ ، ف « أَنْتُمْ » فاعل الفعل المضمر ، و « تَمْلِكُونَ » تفسيره ، نزل لأهل مكة الذين طلبوا من النبي عليه السّلام تفجير الينبوع والأنهار وغيرها من نعم اللّه « 5 » ، أي قل يا محمد لهم لو ملكتم ( خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ) أي جميع نعمه ( إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ ) لبخلهم وحبستم من قولهم للبخيل ممسك ، جعل الفعل المتعدي كاللازم لإرادة التعميم ( خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ) أي لخوف الفقر والفاقة ، يقال أنفق الرجل إذا أذهب ماله وصار فقيرا أو نفق الشيء إذا أذهب ( وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ) [ 100 ] أي بخيلا ممسكا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 101 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) ثم قال تهديدا لأهل مكة ( وَلَقَدْ آتَيْنا ) أي أعطينا ( مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) أي علامات واضحات وهي
--> ( 1 ) « المهتد » : قرأ المدنيان وأبو عمرو باثبات الياء وصلا ويعقوب في الحالين ، والباقون بحذفها كذلك . البدور الزاهرة ، 188 . ( 2 ) رواه مسلم ، منافقين ، 54 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 531 . ( 3 ) المؤمن ( 40 ) ، 57 . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 194 . ( 5 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 3 / 194 .